حرية ومسؤولية
في إشارة دبلوماسية واقتصادية واضحة، أكد القائم بأعمال بعثة الاتحاد الأوروبي لدى سوريا ميخائيل أونماخت، خلال المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص السوري، أن القطاع الخاص السوري سيكون محرك النمو والتطور الأساسي في المرحلة المقبلة، مشدداً على أن شركاء الاتحاد الأوروبي سيعملون على دعم هذا التوجه، خصوصاً بعد رفع العقوبات التي كانت مفروضة على البلاد.
أونماخت، الذي تحدث أمام حشد من الوزراء والمسؤولين السوريين ورجال الأعمال، أوضح أن سوريا بحاجة ماسة إلى إعادة ربط اقتصادها بالعالم، وهذا لا يقتصر على التجارة فقط، بل يشمل التمويل، والتدفقات المالية، وإعادة ربط المصارف السورية بنظيراتها العالمية، وهي خطوات باتت ممكنة بعد التحركات الأوروبية الأخيرة برفع جزء كبير من العقوبات.
وأضاف أن رواد الأعمال والشركات والعمال ورؤوس الأموال السورية هم الركيزة الحقيقية لعملية التعافي الاقتصادي، داعياً الهيئات الدولية إلى تقديم الدعم اللازم لهم لضمان انتقال سوريا من مرحلة إعادة الإعمار إلى مرحلة النمو المستدام.
المؤتمر الذي اختتم جلساته أمس الأربعاء، كان فرصة لرسم خريطة طريق جديدة للعلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، أوروبا تمد يدها، وسوريا تبحث عن شريك جاد لا عن منقذ مؤقت.
تفتح التطورات الدبلوماسية الأخيرة فصلاً جديداً ومصيرياً في علاقات دمشق الدولية، معطيةً إشارات قوية على تسارع عملية الشرعنة الدولية للإدارة الانتقالية؛ إذ تثير خطوة مجلس الاتحاد الأوروبي الصادرة مساء الإثنين، 18 أيار 2026، برفع العقوبات المفروضة عن 7 كيانات حكومية سورية سيادية، قراءات سياسية بالغة الأهمية تؤكد تحول الموقف الأوروبي من "العزل" إلى "الانخراط المباشر" والمساهمة الفعالة في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق.
وتكتسب الخطوة الأوروبية ثقلاً استثنائياً لكونها شملت إزالة مؤسستين من ركائز السيادة والأمن، وهما وزارتا الدفاع والداخلية السوريتان، من القائمة السوداء للتكتل.
وأوضح مجلس الاتحاد الأوروبي في بيانه أن هذا القرار، الذي جاء نتاج المراجعة السنوية، يهدف بالدرجة الأولى إلى تعزيز تواصل التكتل وانخراطه مع سوريا في مرحلتها الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
وبالموازاة مع هذه الانفراجة المؤسساتية، حافظ التكتل على صرامته الأمنية والقانونية بتجديد التدابير التقييدية والعقوبات المفروضة على رموز نظام الأسد المخلوع والشخصيات المتورطة في الانتهاكات بحق الشعب السوري حتى الأول من حزيران 2027، مبرراً ذلك بأن تلك الشبكات القديمة لا تزال تشكل خطراً قد يقوض الاستقرار والمصالح الوطنية والمحاسبة.
من جانبه، رحّب وزير الخارجية السوري، أسعد حسن الشيباني، بالقرار عبر بيان رسمي، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل دعماً حقيقياً لجهود التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، وتعزز من قدرة المؤسسات الرسمية على القيام بواجباتها الدستورية في خدمة المواطنين وترسيخ الأمن والاستقرار في "سوريا الجديدة القائمة على القانون".
ويأتي هذا التطور استكمالاً لقرار تاريخي اتخذه التكتل في أيار 2025 برفع العقوبات الاقتصادية العامة، وتوّجه قبل أيام وتحديداً في 11 أيار الجاري بإعادة التفعيل الكامل لـ "اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا" المعلقة جزئياً منذ عام 2011، مترافقاً مع حزم دعم مالي بمئات الملايين من اليورو؛ مما يثبت أن دمشق نجحت في كسر العزلة الغربية تماماً، وباتت تتحرك كشريك دولي معترف به لإعادة بناء البنية التحتية وتأمين الأرضية اللازمة لعودة اللاجئين.
في خطوة تاريخية تمهد لمرحلة جديدة من التوازن الجيوسياسي في حوض المتوسط، أعلن المجلس الأوروبي رسمياً إنهاء التعليق الجزئي لاتفاقية التعاون مع سوريا.
هذا القرار، الذي جاء ليصحح مسار العلاقات الثنائية، يفتح الباب أمام استعادة التدفقات التجارية الكاملة، مما يعني تسهيلات جمركية، وتعاوناً تقنياً، ورفعاً للقيود التي كبلت القطاع الخاص السوري لسنوات.
ووصف البيان الصادر عن بروكسل هذه الخطوة بأنها "إشارة سياسية واضحة"، مؤكداً التزام الاتحاد الأوروبي بإعادة التواصل الفعال ودعم جهود التعافي الاقتصادي في سوريا.
ويرى مراقبون أن هذا القرار سيسهم بشكل مباشر في جذب الاستثمارات الأوروبية مجدداً، وتنشيط حركة الصادرات والواردات، مما قد يؤدي إلى استقرار سعر الصرف وتحسين القوة الشرائية، في وقت تسعى فيه البلاد لنفض غبار الحرب وإعادة بناء مؤسساتها الاقتصادية وفق المعايير الدولية.
إن عودة سوريا إلى اللجنة الاقتصادية الأوروبية ليست مجرد "اتفاقية ورق"، بل هي اعتراف دولي ببدء مرحلة الاستقرار، وضوء أخضر للشركات العالمية للعودة إلى السوق السورية من أوسع أبوابها.
في تحول دراماتيكي لسياسة التكتل الموحد، كشفت وثيقة داخلية للجهاز الدبلوماسي الأوروبي عن عزم الاتحاد استئناف الحوار السياسي الرسمي مع "السلطات الانتقالية في سوريا" بدءاً من 11 مايو المقبل.
وتتجاوز هذه الخطوة مجرد الاتصالات الدبلوماسية لتشمل إعادة تفعيل اتفاقية التعاون لعام 1978، وتعديل نظام العقوبات ليتحول من أداة خنق اقتصادي إلى "أداة تكييف" تدعم المسار الانتقالي تحت قيادة الرئيس المؤقت أحمد الشرع، مما يمهد الطريق لعودة الاستثمارات الأوروبية إلى قلب الياسمين.
مركز عالمي للطاقة والنقل: تسعى بروكسل لدمج سوريا في "الممر الاقتصادي الكبير" (الهند-الشرق الأوسط-أوروبا)، مستفيدة من الدور المحوري الذي لعبته دمشق مؤخراً كشريان بديل لنقل النفط العراقي عبر ميناء بانياس عقب إغلاق مضيق هرمز، بالإضافة إلى تطوير سكك حديدية تربط جنوب أوروبا بالخليج عبر تركيا والأردن.
الاقتصاد والقطاع الخاص: يخطط الاتحاد لتعبئة تمويلات خاصة ودعم الإصلاحات الهيكلية عبر إنشاء مركز للمساعدة التقنية بدمشق، بهدف تحسين بيئة الأعمال وتسهيل دخول الشركات الأوروبية في مشاريع إعادة الإعمار الكبرى.
الأمن ومكافحة الجريمة: يدرس التكتل تقديم دعم تقني وتدريبي لوزارة الداخلية والشرطة السورية، مع التركيز على التعاون المشترك في مكافحة الإرهاب، تهريب المخدرات، والجريمة المنظمة، لضمان استقرار البيئة الاستثمارية.
دمج الشمال واللاجئين: تبارك الوثيقة اتفاق يناير بين دمشق والقوى الكردية، معتبرة تعيين نائب لوزير الدفاع من "وحدات حماية الشعب" خطوة نحو توحيد المؤسسات، وهو ما سيسهم في تسهيل "العودة الكريمة والطوعية" للاجئين السوريين من أوروبا، لا سيما من ألمانيا التي تستضيف العدد الأكبر.
إن هذا "الانخراط الجديد" يثبت أن الدبلوماسية الأوروبية قررت أخيراً اللحاق بالواقع الميداني والسياسي في سوريا عام 2026.
ومع بدء سحب القوات الأمريكية وتسلم الجيش السوري لمواقعه في الشمال، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مدفوعاً بحاجته الماسة لممرات الطاقة البديلة لاستبدال لغة الشروط بلغة المصالح المشتركة، مما يجعل من شهر مايو المقبل بداية لعهد جديد من التعاون "الأورو-سوري" الذي قد يغير موازين القوى الاقتصادية في حوض المتوسط.