حرية ومسؤولية
تتسارع أحداث قضية ابنة مدينة جبلة لتأخذ أبعاداً قانونية ودينية مقلقة، يمكن تلخيص مشهدها الراهن في ثلاث نقاط مفصلية:
1. الظهور المثير للجدل والتناقض العائلي: أمام وجهاء مدينة جبلة، أكدت بتول أنها غادرت منزلها بمحض إرادتها لـ "أسباب خاصة"، نافيةً رواية والدتها حول وجودها في مركز "الأخوات".
هذا الظهور يأتي رداً على بث مباشر لعائلتها اتهموا فيه جهات باختطافها بعد إخلاف الوعد بعودتها يوم الأحد. قانونياً، أكد محاميها أكرم منصورة من أمام مجمع جبلة الحكومي أنها وكلته رسمياً ومثلت أمام المباحث الجنائية للإدلاء بإفادة "روتينية"، مما يعطي القضية غطاءً شرعياً بأنها ليست "محتجزة قسرياً".
2. فتوى الشيخ عبد الرزاق المهدي والبعد الديني: دخلت القضية منعطفاً خطيراً بصدور فتوى من الشيخ عبد الرزاق المهدي تحرم إعادة بتول إلى أهلها، مستنداً إلى أنها "اعتنقت الإسلام حديثاً" (وفق قوله) وتعرضت للمنع من الحجاب والصلاة.
استشهاده بالآيات القرآنية لمنع إعادة "المؤمنات" أثار موجة غضب عارمة، حيث اعتبرها مراقبون فتوى "تكفيرية" تخرج طائفة كاملة (العلوية) من دائرة الإسلام وتشرعن انتزاع الأبناء من عائلاتهم.
3. رد طرطوس ودعوات الفتوى المضادة: في المقابل، جاء رد الشيخ محمد ميهوب (إمام جامع الإمام جعفر الصادق بطرطوس) ليعكس حجم القلق الوجودي؛ حيث طالب مفتي الجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي بفتوى واضحة وصريحة تنهي الجدل حول إسلام الطائفة العلوية، رداً على حملات التحريض والتكفير التي أعقبت قضية بتول.
واعتبر ميهوب أن المسألة تجاوزت "هروب فتاة" لتصبح قضية "كرامة ومصير" في ظل تهديدات التكفير الجماعي.
إن قضية بتول علوش اليوم هي اختبار حقيقي لـ "سوريا الجديدة" ومؤسساتها القضائية والروحية. فبينما يتمسك القانون السوري بحرية المعتقد وحق الأسرة، تأتي الفتاوى الدينية لتخلق "دولة داخل الدولة".
إن صمت المؤسسات الرسمية أو تأخرها في حسم الجدل حول "ماهية المواطنة" قد يحول حادثة فردية إلى فتنة طائفية كبرى، في وقت تحتاج فيه البلاد للوحدة لا لتمزيق النسيج الاجتماعي بفتاوى الإقصاء.
إن في لقاء الرئيس أحمد الشرع مع مجلس الإفتاء الأعلى برئاسة الشيخ أسامة الرفاعي السبت 2 أيار 2026، حجر زاوية في بناء "سوريا المطمئنة"؛ فالاجتماع لم يكن بروتوكولياً، بل جاء ليعمّد مخرجات ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي الذي أُطلق تحت شعار "رحم بين أهله" بمشاركة 1500 عالم.
إن تركيز الرئيس على دور المؤسسات الدينية في تعزيز القيم الوطنية يمثل استجابة واعية لضرورة تحصين الاستقرار المجتمعي عبر خطاب ديني جامع يتجاوز انقسامات الماضي.
هذا الميثاق، الذي صِيغ عبر ورشات حوارية معمقة، لا يسعى لصهر الاختلافات بقدر ما يهدف إلى "توحيد الكلمة" في القضايا الكبرى مع احترام خصوصية المدارس العلمية لأهل السنة والجماعة.
بالتحليل لهذا الحراك، نلمس إرادة سياسية ودينية مشتركة لصناعة عقد اجتماعي جديد، يحول المنبر من أداة للتجييش إلى منارة لخدمة المصلحة العامة، مما يضع سوريا على أعتاب مرحلة من التوازن الفكري الذي يلامس وجدان المواطن الباحث عن الأمان والاعتدال تحت سقف الوطن الواحد.